تابع الجزء الثانى من كيف تنجح فى الحياه
6- اعرف نفسك (وابقَ متسامحاً في الوقت نفسه)
المبدأ السقراطي "أعرف نفسك" المسجل على واجهة معبد آبولون في ديلف، نجده اليوم في معظم المعالجات النفسية، وفي التحليل النفسي إلى المعالجات المعرفية- السلوكية. فسواء أسميناها "استبطاناً، أو تحليلاً ذاتياً، أو انعكاسية فإن هذه العودة إلى الذات تهدف إلى إيضاح الأفكار المضمرة، وردود الأفعال الروتينية، والدوافع والانفعالات، وصور الأفكار المتواترة.
البوذيون هم كما المفكرون اليونان قد توصلوا إلى هذا الاكتشاف الأساسي: الذاتية، الشخصية. مخاوفي، وغضبي، وأفراحي وآمالي تتغذى بصور استيهامية(11). فينبغي إذاً تعلم التمييز بين الأشياء وبين صورها، وبين المواقف الواقعية الحقيقية، وبين الطريقة التي يتوجب عليّ أن التقطها وأدركها. الحكماء القدامى كانوا بنائين بشكل مبكر.
7- كن ذاتك
"كن ذاتك" هذه الصيغة ردَّدها نيتشه مرات عديدة (وقد أخذها عن بندار Pindare، وهو شاعر يوناني من القرن الخامس قبل الميلاد) فهي لغز: كيف يمكن أن نصبح ما نحن عليه؟ في الواقع، الفكرة هي أننا جميعنا نمتلك كفاءات واستعدادات متميزة تتطلب أن نظهرها. لكن كيف نعرف ذلك؟
نجد الإجابة عند الفيلسوف الرواقي "إيبيكتيتEpictète . فقد سأله أحد تلامذته ذات يوم:"كيف يستطيع كل واحد منا أن يعرف ما يتناسب مع كفاءته؟" وأجاب إيبيكتيت عندها:"كيف يعرف الثور القوة الكامنة فيه عندما يقترب الأسد منه؟" فالجواب إذاً إنه في التجربة والاختبار تظهر الشخصية. فمن غير المجدي أن نبحث في أعماق نفسنا لنجد ما ينبغي علينا فعله. لأنه في الممارسة تظهر مكامن القوة والضعف.
لكن الموضوع لا ينتهي عند هذا الحد. إذا كنا نمتلك مواهب لبعض النشاطات (التسامح، استعدادات وميول) ينبغي علينا تطويرها. ويتابع إيبيكتيت: "لا نصبح فجأة ثوراً أو رجلاً من النخبة، بل ينبغي من أجل الوصول إلى هذه المرتبة التدريب، والتهيئة. وينبغي عدم الانطلاق خبط عشواء في مشاريع ليست على مستوى كفاءاتنا" (محفوظات، الكتاب الأول).
كان أندره جيد André Gide يقول ذلك بطريقته الخاصة: "ينبغي على الإنسان اتباع ميله لكن صعوداً".
8- لا تعتمد على إرادتك وحدها
فن الحياة الفلسفي مثله مثل تقنيات تغيير الشخصية، يستند إلى مبدأ تحول داخلي. ينبغي تغيير الأفكار الشخصية كي يتم تعديل السلوكيات. هذا الانقلاب الذهني هو الفعل الفلسفي بامتياز. لأنه يرتكز إلى معرفة الذات المهيئة للسيطرة على النفس.
لكن الإرادة هشة ومن المؤكد أن الاعتماد عليها وحدها هو أمر غير كاف بشكل ملحوظ. كل الذين يتخذون قرارات في بداية العام يعرفون ذلك جيداً. تنتهي الإرادة دوماً بالاصطدام بمتطلبات أخرى، بشهوات آنية، بمتع وتسليات، وبروتين وبألف من المغريات التي تنافس الواقع.
ومن هنا يبرز الدرس الأساسي: للتغيير، ينبغي تغيير البيئة أيضاً. عندما نكون فعالين في بيئتنا، نؤثر كذلك في أنفسنا. وهذا ما يقوم به بعض المراهقين بشكل عفوي حيث يعلمون أنهم لن يستطيعوا مقاومة بعض المغريات (ألعاب الفيديو، الرفقاء، التلفاز) فيطلبون الذهاب إلى المدرسة الداخلية. هذه هي خدعة "اوليسUlysse" الذي يطلب بأن يتم ربطه بصاري السفينة ليقينه بأنه لن يستطع مقاومة سحر غناء جنيات البحر.
يحصل التغيير الشخصي بعد تغيير محيط الحياة. ولدينا جميعنا التجربة: يكفي الخروج من الإطار الاعتيادي كي تتغيّر أفكارنا. الرحلات، هي أفضل وسيلة لتغيير الأفكار. المحيط الاجتماعي، من أصدقاء، ولقاءات، ونوادٍ، وجمعيات، ومؤسسات، كل هذه الأمور تلعب دوراً أساسياً في تغيير سلوكياتنا: سواء أكانت جيدة أم سيئة، فهي تساهم في اقتلاعنا من وضع أو في إعادة انغماسنا فيه. يميل الخبراء في تغيير الشخصية إلى التأكيد على دور كل الدعائم الخارجية في تحويل الذات.
لم تخطئ الديانات الكبيرة عندما وضعت جهازاً معقداً من تقنيات ضبط النفس محاولة منها لتحريض الرعية على التصرف كمريدين صالحين: شعائر طقسية يومية، صور تذكارية، أشياء مثل(المسبحة أو وسيلة للصلاة)، شعارات بسيطة، نماذج مرجعية، إلخ. كل هذه الأمور تشكل نوعاً من سلة وجودية مخصصة لتشجيع نموذج حياة للمؤمنين الصالحين.
9- ما يتعلق بشخصيتي
يدعو إيبيكتيت في نص شهير له، إلى الفصل بين "ما يخصني" (وأستطيع تغييره) وبين "ما لا يخصني" (وينبغي عليّ قبوله). من غير المفيد إذاً أن نقلق من أجل أشياء لا نستطيع السيطرة عليها: ينبغي أن نتعلم كيف نتقبلها وحتى كيف نتلقاها بصفاء وهدوء.
إن درس إيبيكتيت ينص أيضاً على أن نحتفظ على الدوام بهامش من التحرك للإفلات من القيد (إذ هو نفسه قد ولد رقيقاً وحصل على حريته). فن الحياة بمعنى مقدرة التحكم بالذات، والسيطرة على المصير الشخصي، له إذاً جذور إناسية(أنتروبولوجية)، وتاريخية وسايكولوجية عميقة جداً: وهو بمواجهة والتصدي لخبرات الحياة، لذلك تم وضع تقنيات ذهنية للنجاة والاستمرار. بعض منها يساعد على تحمل الآلام والحرمان من الحقوق، وبعضها الآخر يساعد على التسلح سايكولوجياً لمواجهة التحديات.
بهذا التوجه، يتضح أن فن الحياة وتطوّر الشخصية ليسا من اختراعات الحداثة الجديدة. لقد كانا حاضرين في اليونان القديم وفي الصين أو الهند القديمة وفي معظم الحضارات الأخرى.
لكن هذه التقنيات يشجعها اختصاصيو علم الاجتماع في مجتمعاتنا المسماة "تأملية – استبطانية". فإن كان الموضوع يتعلق بدراسات في العمل الوظيفي، أو بحياة الزوجين، فكل إنسان مدعو ليقوم بخيارات وألا يخضع لتعليمات تفرض عليه فرضاً. أن إدارة حياته تستند إلى تحركه الشخصي. ومن هنا تبرز الحاجة إلى تنظيم حياته وترويضها. وهذا ما يشعره تماماً الطالب الذي يركن إلى نفسه، والموظف الذي يتمتع بهامش نسبي في تنظيم أوقات دوامه وبأساليبه في العمل (طالما أنه يتوصل إلى إتمام أهدافه)، والعاطل عن العمل الذي يبحث عن وظيفة، ومدمن الكحول أو المدخن الذي يتمنى التحرر من إدمانه.. الخ.
المجتمع الاستهلاكي ومجتمع الاتصالات يخضعوننا جميعاً إلى محرضات مستمرة تدعو للاستهلاك، والاستعلام، والتسلية. والإنسان الفرد، الواقع في شرك رغبته الخاصة، يشعر بالحاجة إلى التحرر من هذا التأثير المستولي عليه كي يتحكم بنفسه بشكل أفضل. من هنا تظهر أهمية المطابقة والمعادلة بين رسائل البساطة الطوعية التي تدفع نحو النجاح، وبين الحكم القديمة التي كانت تدعو إلى تخفيف الرغبات ومقاومة الأهواء التافهة.
"ما هو متعلق بي"، هو أيضاً التخلص من هذه المهيجات، والتسليات، والتحريضات أو الإيعازات التي تجرني في جميع الاتجاهات بغير نظام فترهقني وتمنعني من متابعة أهدافي التي حددتها لنفسي. هذا إن كنت قد حددتُ بعضها.
10- لا تتمهل كي لا يفوت الأوان
يقول آراغونAragon: عندما نتعلم كيف نحيا، يكون قد فات الأوان، فقد تأخرنا جداً. هذه هي المفارقة في فن الحياة: يلزم لنا وقت طويل لنتعلم كيف نحيا وعندما نتوصل لذلك تخوننا القوى التي تفارقنا. هناك فكرة محبطة أخرى تود لو أننا نتعلم كيف نحيا بفضل صدمات الفشل. "الضربة التي لا تميت تجعلنا أقوى" (نيتشه). هذا هراء! من المؤكد أن عامل البناء المبتدئ المتمرّن يتعلم بشكل أفضل كيف يحمل مطرقته بعد أن يكون قد أصاب أصابعه بطرقات شديدة. كذلك الأمر بالنسبة إلينا فنحن نفكر غالباً كيف نحفظ معلوماتنا بعد أن نكون قد أتلفنا مرة أو مرتين أقراص الحاسوب الصلبة. لكن أغلب الإخفاقات الكبيرة لا تحولنا إلى أقوياء: فهي تصيبنا برضوض، وتجعلنا أقل ثباتاً وأكثر ضعفاً(12).
هناك أسلوب آخر أكثر إيجابية بالنظر إلى الأمور. فقد عزا "بويس Boèce" إلى الحكمة هدف "المواساة"، أما "إيبيكتيت" فكان يراها وكأنها "علاج" للآلام. لكننا ماذا ننتظر من علاج؟ ليس أن يعطينا الصحة والشباب الأبدي، بل أن يشفينا من وجع أو على الأقل يخفف من حدته. ومن الطبيعي أن دروس الفلسفة لا يمكن أن توفر السعادة المطلقة ولا أن تكفل نجاح مشاريعنا. ونعلم أيضاً، إن المعالجات ينبغي أن تؤخذ بفطنة وروية، فقد كان ايبوقراطHippocrate يقول: "كل شيء سم، لا شيء سم، المسألة هي في القسط". كل دواء له في النهاية آثاره الثانوية غير المحببة. ويصلح هذا بالنسبة إلى دروس الحياة.
يمكن أن تفهم الفلسفة على أنها فن الصراع. ففن الصيد يعلمنا أن نعرف الطريدة، أن نلاحقها وأن نضع لها الشراك، وأن نصوِّب ونطلق. لكنه لا يكفل أبداً أن الصيد سيكون جيداً. فن الرسم يعلمنا كيف نصنع مناظر طبيعية أو صوراً لأشخاص، لكنه لا يعطينا لا الموهبة ولا الرغبة بالرسم. فن الملاكمة يعلم كيفية تسديد اللكمات، وكيفية تجنبها، وكيفية تحملها؛ يهيئ للمعركة لكنه لا يعِد دوماً بالنجاح. كذلك الأمر بالنسبة إلى فن الحياة. فهو يساعد على مواجهة اختبارات الحياة لكنه لا يكفل النتيجة. لكن عدا الأخيرة إذا افترضنا مع "مونتينMontaigne " أن: "التفلسف، معناه أن تتعلم كيف تموت".
#المدرب_حسام_دياب
6- اعرف نفسك (وابقَ متسامحاً في الوقت نفسه)
المبدأ السقراطي "أعرف نفسك" المسجل على واجهة معبد آبولون في ديلف، نجده اليوم في معظم المعالجات النفسية، وفي التحليل النفسي إلى المعالجات المعرفية- السلوكية. فسواء أسميناها "استبطاناً، أو تحليلاً ذاتياً، أو انعكاسية فإن هذه العودة إلى الذات تهدف إلى إيضاح الأفكار المضمرة، وردود الأفعال الروتينية، والدوافع والانفعالات، وصور الأفكار المتواترة.
البوذيون هم كما المفكرون اليونان قد توصلوا إلى هذا الاكتشاف الأساسي: الذاتية، الشخصية. مخاوفي، وغضبي، وأفراحي وآمالي تتغذى بصور استيهامية(11). فينبغي إذاً تعلم التمييز بين الأشياء وبين صورها، وبين المواقف الواقعية الحقيقية، وبين الطريقة التي يتوجب عليّ أن التقطها وأدركها. الحكماء القدامى كانوا بنائين بشكل مبكر.
7- كن ذاتك
"كن ذاتك" هذه الصيغة ردَّدها نيتشه مرات عديدة (وقد أخذها عن بندار Pindare، وهو شاعر يوناني من القرن الخامس قبل الميلاد) فهي لغز: كيف يمكن أن نصبح ما نحن عليه؟ في الواقع، الفكرة هي أننا جميعنا نمتلك كفاءات واستعدادات متميزة تتطلب أن نظهرها. لكن كيف نعرف ذلك؟
نجد الإجابة عند الفيلسوف الرواقي "إيبيكتيتEpictète . فقد سأله أحد تلامذته ذات يوم:"كيف يستطيع كل واحد منا أن يعرف ما يتناسب مع كفاءته؟" وأجاب إيبيكتيت عندها:"كيف يعرف الثور القوة الكامنة فيه عندما يقترب الأسد منه؟" فالجواب إذاً إنه في التجربة والاختبار تظهر الشخصية. فمن غير المجدي أن نبحث في أعماق نفسنا لنجد ما ينبغي علينا فعله. لأنه في الممارسة تظهر مكامن القوة والضعف.
لكن الموضوع لا ينتهي عند هذا الحد. إذا كنا نمتلك مواهب لبعض النشاطات (التسامح، استعدادات وميول) ينبغي علينا تطويرها. ويتابع إيبيكتيت: "لا نصبح فجأة ثوراً أو رجلاً من النخبة، بل ينبغي من أجل الوصول إلى هذه المرتبة التدريب، والتهيئة. وينبغي عدم الانطلاق خبط عشواء في مشاريع ليست على مستوى كفاءاتنا" (محفوظات، الكتاب الأول).
كان أندره جيد André Gide يقول ذلك بطريقته الخاصة: "ينبغي على الإنسان اتباع ميله لكن صعوداً".
8- لا تعتمد على إرادتك وحدها
فن الحياة الفلسفي مثله مثل تقنيات تغيير الشخصية، يستند إلى مبدأ تحول داخلي. ينبغي تغيير الأفكار الشخصية كي يتم تعديل السلوكيات. هذا الانقلاب الذهني هو الفعل الفلسفي بامتياز. لأنه يرتكز إلى معرفة الذات المهيئة للسيطرة على النفس.
لكن الإرادة هشة ومن المؤكد أن الاعتماد عليها وحدها هو أمر غير كاف بشكل ملحوظ. كل الذين يتخذون قرارات في بداية العام يعرفون ذلك جيداً. تنتهي الإرادة دوماً بالاصطدام بمتطلبات أخرى، بشهوات آنية، بمتع وتسليات، وبروتين وبألف من المغريات التي تنافس الواقع.
ومن هنا يبرز الدرس الأساسي: للتغيير، ينبغي تغيير البيئة أيضاً. عندما نكون فعالين في بيئتنا، نؤثر كذلك في أنفسنا. وهذا ما يقوم به بعض المراهقين بشكل عفوي حيث يعلمون أنهم لن يستطيعوا مقاومة بعض المغريات (ألعاب الفيديو، الرفقاء، التلفاز) فيطلبون الذهاب إلى المدرسة الداخلية. هذه هي خدعة "اوليسUlysse" الذي يطلب بأن يتم ربطه بصاري السفينة ليقينه بأنه لن يستطع مقاومة سحر غناء جنيات البحر.
يحصل التغيير الشخصي بعد تغيير محيط الحياة. ولدينا جميعنا التجربة: يكفي الخروج من الإطار الاعتيادي كي تتغيّر أفكارنا. الرحلات، هي أفضل وسيلة لتغيير الأفكار. المحيط الاجتماعي، من أصدقاء، ولقاءات، ونوادٍ، وجمعيات، ومؤسسات، كل هذه الأمور تلعب دوراً أساسياً في تغيير سلوكياتنا: سواء أكانت جيدة أم سيئة، فهي تساهم في اقتلاعنا من وضع أو في إعادة انغماسنا فيه. يميل الخبراء في تغيير الشخصية إلى التأكيد على دور كل الدعائم الخارجية في تحويل الذات.
لم تخطئ الديانات الكبيرة عندما وضعت جهازاً معقداً من تقنيات ضبط النفس محاولة منها لتحريض الرعية على التصرف كمريدين صالحين: شعائر طقسية يومية، صور تذكارية، أشياء مثل(المسبحة أو وسيلة للصلاة)، شعارات بسيطة، نماذج مرجعية، إلخ. كل هذه الأمور تشكل نوعاً من سلة وجودية مخصصة لتشجيع نموذج حياة للمؤمنين الصالحين.
9- ما يتعلق بشخصيتي
يدعو إيبيكتيت في نص شهير له، إلى الفصل بين "ما يخصني" (وأستطيع تغييره) وبين "ما لا يخصني" (وينبغي عليّ قبوله). من غير المفيد إذاً أن نقلق من أجل أشياء لا نستطيع السيطرة عليها: ينبغي أن نتعلم كيف نتقبلها وحتى كيف نتلقاها بصفاء وهدوء.
إن درس إيبيكتيت ينص أيضاً على أن نحتفظ على الدوام بهامش من التحرك للإفلات من القيد (إذ هو نفسه قد ولد رقيقاً وحصل على حريته). فن الحياة بمعنى مقدرة التحكم بالذات، والسيطرة على المصير الشخصي، له إذاً جذور إناسية(أنتروبولوجية)، وتاريخية وسايكولوجية عميقة جداً: وهو بمواجهة والتصدي لخبرات الحياة، لذلك تم وضع تقنيات ذهنية للنجاة والاستمرار. بعض منها يساعد على تحمل الآلام والحرمان من الحقوق، وبعضها الآخر يساعد على التسلح سايكولوجياً لمواجهة التحديات.
بهذا التوجه، يتضح أن فن الحياة وتطوّر الشخصية ليسا من اختراعات الحداثة الجديدة. لقد كانا حاضرين في اليونان القديم وفي الصين أو الهند القديمة وفي معظم الحضارات الأخرى.
لكن هذه التقنيات يشجعها اختصاصيو علم الاجتماع في مجتمعاتنا المسماة "تأملية – استبطانية". فإن كان الموضوع يتعلق بدراسات في العمل الوظيفي، أو بحياة الزوجين، فكل إنسان مدعو ليقوم بخيارات وألا يخضع لتعليمات تفرض عليه فرضاً. أن إدارة حياته تستند إلى تحركه الشخصي. ومن هنا تبرز الحاجة إلى تنظيم حياته وترويضها. وهذا ما يشعره تماماً الطالب الذي يركن إلى نفسه، والموظف الذي يتمتع بهامش نسبي في تنظيم أوقات دوامه وبأساليبه في العمل (طالما أنه يتوصل إلى إتمام أهدافه)، والعاطل عن العمل الذي يبحث عن وظيفة، ومدمن الكحول أو المدخن الذي يتمنى التحرر من إدمانه.. الخ.
المجتمع الاستهلاكي ومجتمع الاتصالات يخضعوننا جميعاً إلى محرضات مستمرة تدعو للاستهلاك، والاستعلام، والتسلية. والإنسان الفرد، الواقع في شرك رغبته الخاصة، يشعر بالحاجة إلى التحرر من هذا التأثير المستولي عليه كي يتحكم بنفسه بشكل أفضل. من هنا تظهر أهمية المطابقة والمعادلة بين رسائل البساطة الطوعية التي تدفع نحو النجاح، وبين الحكم القديمة التي كانت تدعو إلى تخفيف الرغبات ومقاومة الأهواء التافهة.
"ما هو متعلق بي"، هو أيضاً التخلص من هذه المهيجات، والتسليات، والتحريضات أو الإيعازات التي تجرني في جميع الاتجاهات بغير نظام فترهقني وتمنعني من متابعة أهدافي التي حددتها لنفسي. هذا إن كنت قد حددتُ بعضها.
10- لا تتمهل كي لا يفوت الأوان
يقول آراغونAragon: عندما نتعلم كيف نحيا، يكون قد فات الأوان، فقد تأخرنا جداً. هذه هي المفارقة في فن الحياة: يلزم لنا وقت طويل لنتعلم كيف نحيا وعندما نتوصل لذلك تخوننا القوى التي تفارقنا. هناك فكرة محبطة أخرى تود لو أننا نتعلم كيف نحيا بفضل صدمات الفشل. "الضربة التي لا تميت تجعلنا أقوى" (نيتشه). هذا هراء! من المؤكد أن عامل البناء المبتدئ المتمرّن يتعلم بشكل أفضل كيف يحمل مطرقته بعد أن يكون قد أصاب أصابعه بطرقات شديدة. كذلك الأمر بالنسبة إلينا فنحن نفكر غالباً كيف نحفظ معلوماتنا بعد أن نكون قد أتلفنا مرة أو مرتين أقراص الحاسوب الصلبة. لكن أغلب الإخفاقات الكبيرة لا تحولنا إلى أقوياء: فهي تصيبنا برضوض، وتجعلنا أقل ثباتاً وأكثر ضعفاً(12).
هناك أسلوب آخر أكثر إيجابية بالنظر إلى الأمور. فقد عزا "بويس Boèce" إلى الحكمة هدف "المواساة"، أما "إيبيكتيت" فكان يراها وكأنها "علاج" للآلام. لكننا ماذا ننتظر من علاج؟ ليس أن يعطينا الصحة والشباب الأبدي، بل أن يشفينا من وجع أو على الأقل يخفف من حدته. ومن الطبيعي أن دروس الفلسفة لا يمكن أن توفر السعادة المطلقة ولا أن تكفل نجاح مشاريعنا. ونعلم أيضاً، إن المعالجات ينبغي أن تؤخذ بفطنة وروية، فقد كان ايبوقراطHippocrate يقول: "كل شيء سم، لا شيء سم، المسألة هي في القسط". كل دواء له في النهاية آثاره الثانوية غير المحببة. ويصلح هذا بالنسبة إلى دروس الحياة.
يمكن أن تفهم الفلسفة على أنها فن الصراع. ففن الصيد يعلمنا أن نعرف الطريدة، أن نلاحقها وأن نضع لها الشراك، وأن نصوِّب ونطلق. لكنه لا يكفل أبداً أن الصيد سيكون جيداً. فن الرسم يعلمنا كيف نصنع مناظر طبيعية أو صوراً لأشخاص، لكنه لا يعطينا لا الموهبة ولا الرغبة بالرسم. فن الملاكمة يعلم كيفية تسديد اللكمات، وكيفية تجنبها، وكيفية تحملها؛ يهيئ للمعركة لكنه لا يعِد دوماً بالنجاح. كذلك الأمر بالنسبة إلى فن الحياة. فهو يساعد على مواجهة اختبارات الحياة لكنه لا يكفل النتيجة. لكن عدا الأخيرة إذا افترضنا مع "مونتينMontaigne " أن: "التفلسف، معناه أن تتعلم كيف تموت".
#المدرب_حسام_دياب

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق